أبي منصور الماتريدي
211
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
كل هذه المواقف وغيرها تدل على تفاوت الصحابة في فهم معاني القرآن الكريم ؛ ولذلك قال ابن قتيبة : « إن العرب لا تستوي في المعرفة بجميع ما في القرآن من الغريب والمتشابه ، بل إن بعضها يفضل في ذلك على بعض » « 1 » . هذا ، وقد بدأ الصحابة شارعين في تفسير القرآن الكريم - على تخوف وتحرج - بعد وفاة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم معتمدين في تفسيرهم على القرآن الكريم نفسه ، أو على تفسير النبي صلى اللّه عليه وسلم لبعض الآيات وتشريعاته الأخرى « 2 » ، أو الاجتهاد والاستنباط ، أو أهل الكتاب من اليهود والنصارى أحيانا ، فالصحابة - رضوان الله عليهم - مقتدين برسول الله صلى اللّه عليه وسلم اعتمدوا القرآن في تفسير القرآن الكريم حتى قال الدكتور الذهبي : « هذا هو تفسير القرآن بالقرآن ، وهو ما كان يرجع إليه الصحابة في تعرف بعض معاني القرآن ، وليس هذا عملا آليّا لا يقوم على شيء من النظر ، وإنما هو عمل يقوم على كثير من التدبر والتعقل ؛ إذ ليس حمل المجمل على المبين ، أو المطلق على المقيد ، أو العام على الخاص ، أو إحدى القراءتين على الأخرى بالأمر الهين الذي يدخل تحت مقدور كل إنسان ، وإنما يعرفه أهل العلم والنظر خاصة » « 3 » . ثم إنهم لجئوا لتفسير الرسول صلى اللّه عليه وسلم لبعض آيات القرآن ، فقد « تناقلوا فيما بينهم ، تفسير رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وما فهموه من القرآن وأقرهم عليه ، كما هو الشأن في تناقلهم للأحاديث والآثار التي رووها عنه ، على ما وردت به وصايا الرسول صلى اللّه عليه وسلم » « 4 » . غير أن الصحابة لم يتوقف جهدهم التفسيري عند حد النقل والرواية عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بل لجئوا مع ذلك إلى طريقين جديدين : الأول : الاجتهاد والاستنباط : كان الصحابة - رضوان الله عليهم - إذا لم يجدوا التفسير في كتاب الله تعالى ، ولم يتيسر لهم أخذه عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم رجعوا إلى اجتهادهم ، فأعملوا رأيهم ، وكانت أدواتهم في الاجتهاد هي : معرفة أوضاع اللغة وأسرارها ، ومعرفة عادات العرب ، ومعرفة أحوال اليهود والنصارى في جزيرة العرب وقت نزول القرآن وقوة الفهم ، وسعة الإدراك ، ومن ثم
--> ( 1 ) المسائل والأجوبة ( ص 8 ) ، وينظر : د . الذهبي : التفسير والمفسرون ( 1 / 39 ) . ( 2 ) تم التعرض لهذين المصدرين : القرآن والسنة بوصفهما مفسرين للقرآن الكريم ، وأنهما كانا المصدرين الوحيدين للتفسير في العهد النبوي ، وقد اعتمدهما الصحابة أيضا . ( 3 ) د . الذهبي : التفسير والمفسرون ( 1 / 43 ، 44 ) . ( 4 ) د . محمد إبراهيم شريف : بحوث في تفسير القرآن الكريم ص ( 51 ، 52 ) .